الفيض الكاشاني
331
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
تصبكم سيّئة يفرحوا بها » ( 1 ) وهذا الفرح شماتة والحسد والشماتة يتلازمان ، وقال تعالى : « ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارا حسدا من عند أنفسهم » ( 2 ) فأخبر أنّ حبّهم زوال نعمة الإيمان حسد ، وقال : « ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً » ( 3 ) وذكر اللَّه حسد إخوة يوسف عبّر عمّا في قلوبهم فقال : « إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منّا ونحن عصبة إنَّ أبانا لفي ضلال مبين . اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم » ( 4 ) فلمّا كرهوا حبّ أبيه له ساءهم ذلك وأحبّوا زوالها عنه فغيّبوه عنه ، وقال تعالى : « ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم » ( 5 ) أي لا يضيق به صدورهم ولا يغتمّون فأثنى عليهم بعدم الحسد ، وقال تعالى في معرض الإنكار : « أم يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله » ( 6 ) وقال : « كان الناس امّة واحدة - إلى قوله - إلا الَّذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغيا بينهم » ( 7 ) قيل في التفسير : حسدا ، وقال تعالى : « وما تفرّقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم » ( 8 ) فأنزل اللَّه العلم ليجمعهم ويؤلَّف بينهم على طاعته وأمرهم أن يتألَّفوا بالعلم فتحاسدوا واختلفوا إذ أراد كلّ واحد منهم أن يتفرّد بالرّئاسة وقبول القول فردّ بعضهم على بعض . قال ابن عباس : كانت اليهود قبل أن يبعث النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبيّ الَّذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الَّذي تنزله إلا ما نصرتنا ، فكانوا ينصرون فلمّا جاء النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إيّاه فقال تعالى : « وكانوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به - إلى قوله - أن يكفروا بما أنزل الله بغيا » أي حسدا ( 9 ) .
--> ( 1 ) آل عمران : 120 . ( 2 ) البقرة : 109 . ( 3 ) النساء : 89 . ( 4 ) يوسف : 8 و 9 . ( 5 ) الحشر : 9 . ( 6 ) النساء : 54 . ( 7 ) البقرة : 212 . ( 8 ) الشورى : 14 . ( 9 ) أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء وضحاك عن ابن عباس كما في الدر المنثور ج 1 ص 88 والآية في سورة البقرة : 89 .